محمد راغب الطباخ الحلبي

602

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

على العدو ، وكان كل من الجيشين متحفزا للوثوب على الآخر ، فتردد القائد فسيق في الحال إلى التقاعد . وابتدأ الزحف على جيش الروس ولكنه لم يفلح ، ووقعت فرقتان أسرى بيد الروس ، فانكسر جيش الدولة العثمانية وارتد قليلا وأخذ في المدافعة . ورجع أنور باشا إلى الآستانة وعين حقي باشا الداماد قائدا عاما ، لكنه على إثر وصوله إلى الجبهة وقع في الحمّى التيفوئيدية التي كانت تفتك بالجيش ، وبعد ساعات معدودات اغتالته يد المنون . ففي الحال عين مكانه محمود كامل باشا ، وبارح الآستانة على جناح السرعة فوصل إلى الجبهة في 26 شباط سنة 1330 رومية ، فرأى الجيش في حالة غير مرضية وقوته المعنوية خائرة ، فأخذ في إصلاح خلله ، وسعى في جلب الكثير من المؤن والأطباء والأدوية اللازمة . وكان مقدار الباقي من الجيش العثماني لا يزيد عن عشرين ألفا ، وعدد جيش الروس ثمانين ألفا ، فاتخذ خطة الدفاع وأخذ يخابر العاصمة ويشرح الحالة لنظارة الحربية ويطلب الإمدادات الكافية ، ولكن كان لا يجاب على طلباته كما يرغب ويريد ، ولسان حال العاصمة يقول : ( لا ألهينّك إني عنك مشغول ) « 1 » . والسبب في ذلك ما كانت تلاقيه الآستانة من تزايد الضغط من جانب عساكر الدول المؤتلفة ( وهي الدولة الإنكليزية والإفرنسية والإيطالية واليونانية ) في سائر المواقع الحربية خصوصا في موقع ( جناق قلعة ) ، فكان معظم الإمدادات تساق إليها لأنها بمثابة القلب من جسم الدولة العثمانية . فلما رأى محمود كامل باشا حراجة موقفه وأن المكاتبات لم تجده نفعا استأذن في العودة بنفسه ليوضح للنظارة أمورا هامة ليست بالحسبان ، فأذن له في الحضور ، فوكل وقتئذ أحد القواد الذين كانوا في معيته وذهب إلى الآستانة ، وبينما كان هناك إذ فر أحد من لا خلاق لهم من الضباط المرابطين في الحدود والتجأ إلى جانب العدو ، وأخبر قواد الروس عن حالة جيش الدولة العثمانية وأطلعهم على مقدار عدده وعدده وعن نقاط التعبئة وحالة الاستحكامات ، وشرح لهم كل ما يقوي عزائمهم ويدعوهم إلى استعمال خطة الهجوم .

--> ( 1 ) هو عجز بيت لكعب بن زهير ، وصدره : وقال كل خليل كنت آمله .